الغزالي

39

إحياء علوم الدين

كما الدراهم والدنانير في البيع حرام إلا يدا بيد فلما وصل البيتان إلى إبراهيم ، قال لحاجبه : كم أقام بالباب ، قال شهرين . قال أعطه ثلاثين ألفا ، وجئني بدواة ، فكتب إليه : أعجلتنا فأتاك عاجل برنا قلا ولو أمهلتنا لم نقلل فخذ القليل وكن كأنك لم تقل ونقول نحن كأننا لم نفعل وروى أنه كان لعثمان على طلحة رضي الله عنهما خمسون ألف درهم . فخرج عثمان يوما إلى المسجد ، فقال له طلحة ، قد تهيأ مالك فاقبضه . فقال هو لك يا أبا محمد ، معونة لك على مروءتك . وقالت سعدى بنت عوف ، دخلت على طلحة ، فرأيت منه ثقلا . فقلت له مالك ؟ فقال اجتمع عندي مال وقد غمني . فقلت وما يغمك : ادع قومك . فقال يا غلام . على بقومي فقسمه فيهم . فسألت الخادم كم كان ؟ قال أربعمائة ألف . وجاء أعرابي إلى طلحة ، فسأله وتقرب إليه برحم . فقال إن هذه الرحم ما سألني بها أحد قبلك . إن لي أرضا قد أعطاني بها عثمان ثلاثمائة ألف ، فإن شئت فاقبضها ، وإن شئت بعتها من عثمان ، ودفعت إليك الثمن فقال الثمن . فباعها من عثمان ، ودفع إليه الثمن وقيل بكى علي كرم الله وجهه يوما . فقيل ما يبكيك ؟ فقال لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام ، أخاف أن يكون الله قد أهاننى . وأتى رجل صديقا له ، فدق عليه الباب ، فقال ما جاء بك ؟ قال علىّ أربعمائة درهم دين . فوزن أربعمائة درهم ، وأخرجها إليه ، وعاد يبكى . فقالت امرأته لم أعطيته إذ شق عليك ؟ فقال إنما أبكى لأني لم أتفقد حاله ، حتى احتاج إلى مفاتحتى . فرحم الله من هذه صفاتهم ، وغفر لهم أجمعين بيان ذم البخل قال الله تعالى * ( ومن يُوقَ شُحَّ نَفْسِه فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * « 1 » وقال تعالى * ( ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ الله من فَضْلِه هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا به يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * « 2 » وقال تعالى

--> « 1 » التغابن : 16 . « 2 » آل عمران : 18